ابن عبد البر

113

الدرر في اختصار المغازي والسير

سريعا حذرا فصرف العير عن طريقها ، وأخذ طريق الساحل ، فنجا . وأوحى ( 1 ) إلى قريش يخبرهم بأنه قد / نجا هو والعير ، فارجعوا . فأبى أبو جهل ، وقال : واللّه لا نرجع حتى نرى ماء بدر ونقيم عليه ثلاثا ، فتهابنا العرب أبدا . ورجع الأخنس بن شريق الثّقفى حليف بنى زهرة بجميع بنى زهرة ، فلم يشهد بدرا أحد منهم وكان الأخنس مطاعا فيهم ، فقال لهم : إنما خرجتم تمنعون أموالكم وقد نجت . وكان قد نفر من جميع بطون قريش جماعة إلا عدى ( 2 ) ابن كعب فلم يكن نفر منهم أحد . فلم يحضر بدرا من المشركين عدوىّ ولا زهرىّ . فسبق رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قريشا إلى ماء بدر ، ومنع قريشا من السبق إليه مطر - أنزله اللّه عليهم - عظيم . ولم يصب منه المسلمين إلا ما شدّ ( 3 ) لهم دهس ( * ) الوادي ، وأعانهم على السير . فنزل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم على أدنى ماء من مياه بدر إلى المدينة ، فأشار عليه الحباب بن المنذر بن عمرو بن الجموح بغير ذلك ، وقال لرسول اللّه : أرأيت هذا المنزل أمنزل أنزلكه اللّه فليس لنا أن نتقدمه أو نتأخر عنه أم هو الرّأى والحرب والمكيدة فقال عليه السلام : بل هو الرأي والحرب والمكيدة . فقال : يا رسول اللّه إن هذا ليس لك بمنزل ، فانهض بنا حتى نأتى أدنى ماء من القوم فننزله ، ونغوّر ما وراءه من القلب ( 4 ) ، ثم نبنى عليه حوضا ، فنملؤه ماء فنشرب / ولا يشربون . فاستحسن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ذلك من رأيه ، وفعله . وبنى لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عريش يكون فيه . ومشى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم على مواضع الوقعة يعرض على أصحابه مصارع رؤوس الكفار من قريش مصرعا مصرعا ، يقول : هذا مصرع فلان ، وهذا مصرع فلان ، فما عدا واحد منهم مصرعه ذلك الذي حدّه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . فلما نزلت قريش فيما يليهم بعثوا عمير بن وهب الجمحي ، فحزر لهم

--> ( 1 ) أوحى : بعث رسولا . ( 2 ) هم عشيرة عمر بن الخطاب . ( 3 ) في ابن هشام وغيره : لبد . * الدهس : ما ليس برمل ولا تراب ولا طين أي أنه المكان السهل . ( 4 ) القلب : جمع قليب وهو البئر